سهيلة عبد الباعث الترجمان

393

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الحق ، إذ لا بعدية ، ولا تقول أن وجود العالم مع وجود الحق ، لأنه تعالى موجد ، مخترع ، وفاعل للعالم ، ولم يكن العالم شيئا ، إلا أن الحق موجود بذاته والعالم موجود به . . إن الحقائق أعطت لمن وقف عليها أن لا يتقيد وجود الحق مع وجود العالم بقبلية ولا معيّة ولا بعدية زمانية ، فإن التقدم الزماني والمكاني في حق اللّه تعالى ترمي به الحقائق في وجه القائل به على التحديد ، فإذا انتفى الزمان عن وجود الحق وعن وجود مبدأ العالم فقد وجد العالم في غير زمان ، فلا تقول في جهة ما هو الأمر عليه أن اللّه موجود قبل العالم ، إذ أثبت أن القبلية من صنع الزمان ولا زمان ، ولا أن العالم موجود بعد وجود الحق ، إذ لا بعدية مع وجود الحق ، فإن الحق هو الذي أوجده وهو فاعله ومخترعه ولم يكن شيئا " « 1 » . فيثبت بذلك القدم للحق إذ لا قبلية زمنية قبله ، فقد كان قبل أن يخلق الخلق ، وقد كان تعالى في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء ، وهو ما درج عليه الصوفية في إثبات الوجود للحق قبل كل موجود ، وكذلك قدمه ، وهذا العماء هو أول مظهر إلهي ظهر فيه ، وقد سرى فيه النور الإلهي كما أشار بقوله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 2 » ، وما يراه ابن عربي في القول : " بأن اللّه تعالى كان قبل أن يخلق الخلق ، ولا قبله زمان " إنما ذلك عبارة للتّوصيل ، تدل على نسبة يحصل بها المقصود في نفس السامع « 3 » ولهذا تحدّد وجود الحق في عماء كما ورد في العبارة . ولما كان الزمان يعزى إلى نتاج حركة الأفلاك فإن ابن عربي يرى أن هناك أشياء سابقة على وجود الفلك ، فهي إذن خارج الزمان فيقول : " من قال الزمان حركة الفلك ؟ فقد كانت أشياء ولا فلك " « 4 » . والزمان كما يراه أيضا مصاحبا لوجود الأشياء ، وله الاستمرارية في ذلك بحيث أن الأشياء لا وجود لها دون الزمان ، فيقول : " من قال الزمان مقارنة بين أمرين بمتى " ؟ فلم يزل الزمان يصحب الأشياء ، فلا معارضة في الاصطلاح . . . " « 5 » .

--> ( 1 ) البرزنجي ، الجاذب الغيبي ، ص 77 وما بعدها . ( 2 ) سورة النور ، الآية : 35 م . ( 3 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 192 . ( 4 ) ابن عربي ، كتاب التراجم ( الرسائل ) ، ص 12 . ( 5 ) المصدر السابق ، ص 12 .